تبادل رسائل بين إيران والولايات المتحدة.. تفاهمات غير مباشرة وتحديات قائمة
أكدت مصادر دبلوماسية خلال الأسابيع الأخيرة وجود قناة تواصل غير مباشرة ونشطة بين طهران وواشنطن، تهدف في المقام الأول إلى خفض التصعيد في منطقة الشرق الأوسط ومعالجة عدد من الملفات الشائكة. وتتم هذه الاتصالات عبر وسطاء، أبرزهم سلطنة عُمان ودولة قطر، حيث تُعقد اجتماعات متقطعة ويتم تبادل رسائل تركز على تحقيق تفاهمات محددة بدلاً من السعي لإحياء شامل للاتفاق النووي لعام 2015.

الخلفية والسياق التاريخي
تعود جذور هذه الجهود إلى حالة الجمود التي وصلت إليها العلاقات بعد انسحاب الولايات المتحدة من خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي) في عام 2018، وما تلاه من فرض إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب سياسة "الضغوط القصوى" على إيران. ورداً على ذلك، قامت طهران بتصعيد برنامجها النووي، متجاوزةً القيود التي فرضها الاتفاق، مما أثار قلقاً دولياً متزايداً. ومع فشل جولات المفاوضات المباشرة في فيينا لإحياء الاتفاق، تحول التركيز نحو مسار بديل وأكثر واقعية يهدف إلى إدارة التوترات ومنعها من الخروج عن السيطرة.
التطورات الأخيرة والجهود الدبلوماسية
تركز المحادثات غير المباشرة الجارية على مجموعة من القضايا المترابطة، والتي يُنظر إليها على أنها خطوات لبناء الثقة قد تمهد الطريق لمسار دبلوماسي أوسع في المستقبل. وتشمل هذه القضايا:
- البرنامج النووي الإيراني: تسعى واشنطن للحصول على تأكيدات بأن إيران لن تزيد من مستويات تخصيب اليورانيوم فوق نسبة 60%، وأنها ستزيد من تعاونها مع مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
 - الأصول الإيرانية المجمدة: كان أحد أبرز نتائج هذه الاتصالات هو الاتفاق الذي تم التوصل إليه في أواخر عام 2023، والذي أفضى إلى الإفراج عن نحو 6 مليارات دولار من الأموال الإيرانية التي كانت مجمدة في كوريا الجنوبية وتحويلها إلى حسابات في قطر، لتستخدم في أغراض إنسانية.
 - تبادل السجناء: تزامن الإفراج عن الأصول مع صفقة لتبادل السجناء، أُطلق بموجبها سراح خمسة مواطنين أمريكيين كانوا محتجزين في إيران مقابل الإفراج عن خمسة إيرانيين مسجونين في الولايات المتحدة.
 - الأمن الإقليمي: تضمنت الرسائل المتبادلة دعوات لضبط النفس ووقف الهجمات التي تشنها جماعات مدعومة من إيران على القوات الأمريكية في سوريا والعراق، بالإضافة إلى ضمان أمن الملاحة في مياه الخليج.
 
المواقف الرسمية وردود الفعل
تتعامل كل من طهران وواشنطن بحذر في الإعلان عن هذه الاتصالات. فمن جانبها، تؤكد وزارة الخارجية الإيرانية باستمرار أن تبادل الرسائل لا يعني "مفاوضات مباشرة" مع الولايات المتحدة، وأن الهدف هو تأمين مصالحها الوطنية، وعلى رأسها رفع العقوبات. أما الإدارة الأمريكية، فتصف هذه الجهود بأنها جزء من استراتيجيتها القائمة على "الدبلوماسية والردع"، مشيرة إلى أن الهدف هو احتواء الأزمة النووية وخفض التوترات الإقليمية، مع إبقاء جميع الخيارات على الطاولة.
الأهمية والتداعيات المحتملة
تكتسب هذه القناة الدبلوماسية الهادئة أهميتها من كونها تمثل تحولاً عن سياسات المواجهة المباشرة. فبدلاً من السعي لتحقيق اتفاق شامل ومعقد، يركز الطرفان على "تفاهمات غير مكتوبة" لمعالجة القضايا الأكثر إلحاحاً. ورغم أن هذا المسار يقلل من خطر نشوب صراع عسكري مباشر، إلا أنه يواجه تحديات كبيرة، بما في ذلك انعدام الثقة العميق بين الجانبين، والمعارضة السياسية الداخلية في كلا البلدين، واحتمال تأثر هذه الجهود بالديناميكيات الإقليمية المتغيرة. ويبقى نجاح هذا المسار مرهوناً بقدرة الوسطاء على الحفاظ على الزخم واستعداد الطرفين لتقديم تنازلات متبادلة ومحدودة.





